عشاق الملكوت
﷽    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
كلمة المحرِّر

الإنسان بين العبودية والحرية

naderabdelameer 31 أغسطس 2021

للعبودية أشكال مختلفة يصعب أحيانا حصرها، لكن الإنسان عرف بشكل مباشر وعفوي شكلا واحدا من العبودية عبر التاريخ هو عبودية الإنسان للإنسان أو استعباد الإنسان لأخيه الإنسان. فسِجِلّ تاريخ هذا الشكل من العبودية زاخر بالمآسي والويلات، بل هم اليوم يتكلمون أيضا عن وجه آخر لعودة عصر العبودية، وهو ما يسمونه الاتجار بالبشر human traficking الذي أصبح نشاطا إجراميا خطيرا يذهب ضحيته المئات من الأطفال والنساء عبر العالم. ولنا أن نخمن أشكالا كثيرة أخرى من العبودية مثل العبودية السياسية والعبودية الدينية بل والعبودية العاطفية، كما يمكن أن نتكلم عن العبودية لحب المال وحب السلطة والعبودية لكافة أشكال الشهوات، وغيرها من أشكال العبودية. لكن إذا تأملنا الأمر مليا وعميقا نجد أن للعبوديّة بكافة أشكالها جذر واحد هو سقوط الإنسان في الخطيئة وطاعة النفس الأمّارة باتباع رأس السوء الذي هو الشيطان الرجيم.

كان الإنسان م يتمتع بكرامة مطلقة عندما كان يدرج في كنف الله وحضرته، مطيعا وصاياه، مسبحا اسمه، لا يعوزه شيء، لكن الشيطان أغواه من حيث لا يدري وحرضه على المعصية وانتهى باستعباده. فوجد نفسه خارج محضر الله، راسخا في أغلال كان في غنى عنها. وقد أنتجت تلك العبودية للشيطان كافة أشكال العبودية الأخرى التي تحدثنا عنها أعلاه وغيرها مما قد يخطر ببالك. لقد خاطب سيدنا عيسى أتباعه قائلا: “إنَّكم إنْ ثبَتُّم في كلامي فبالحَقيقَة تَكونون تلاميذي، وتَعْرِفون الحقَّ، والحقُّ يُحَرِّرُكم. أجابوه: إنَّنا ذُرِّيَة إبراهيم، ولم نُسْتَعْبَد لأحَدٍ قَطّ! كيف تقولُ أنتَ: إنَّكم تَصيرون أحْرارًا؟ أجابهم يسوع: الحقَّ الحقَّ أقول لكُم: إنَّ كلّ مَن يعمل الخطيَّة هو عبْدٌ للخطيَّة… فإنْ حرَّرَكُم الابْن فبالحَقيقَة تكونون أحرارًا” (يوحنّا 8: 31-36). وحقا قال سيدنا عيسى، لأنه قد ثبت عبر تاريخ الإنسان أن لا حرية في الخطيئة، ولا خلاص إلا بالتحرر من أغلالها. والطريق إلى الخلاص من الخطيئة كما أخبرنا سيدنا عيسى في خطابه الذي ذكرناه هو الاعتصام بالابن أي بكلمة الله التي ألقاها الله لمريم فصارت بقدرته بشرا كريما.

يشرح الرسول بولس بتفصيل أكثر هذا الأمر، أي مسألة الخلاص من العبودية للخطيئة من خلال الإيمان بسيدنا عيسى، وذلك في رسالته لأهل روما وعلى الأخص في الفصل السادس حيث يوضح أن ليس من شيء نستطيع أن نفعله لننال الخلاص. فأعمالنا الصالحة التي نتبجح بها تشبه دراهم مغشوشة، لأنها مهما سَمَتْ لن تصل الكمال الذي يرضاه الله. لذلك لن ينقدنا من نير الخطيئة سوى نعمة الله وفضله علينا ورحمته. وقد جَسّدَ تعالى هذه النعمة والفضل والرحمة في شخص سيدنا عيسى الذي نَزَفَ على صليبه بدلاً عنا. لذلك عندما نؤمن بسيدنا عيسى المسيح ننتقل من سلطان الخطيئة والشيطان إلى سلطان الله تعالى. وتلك تكون ولادتنا الثانية التي تصير حياتنا بعدها مفعمة نورا وصلاحا ومحبة. يقول بولس في الفصل 6 من الرسالة إلى أهل روما:

“فان كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضا معه. عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضا. لا يسود عليه الموت بعد. لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك أنتم ايضا احسبوا انفسكم أمواتا عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذا لا تملكَنَّ الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية، بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله. فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة.”

Arise Media & IT Consultancy Made by Arise Media IT Consultancy ltd

اكتشاف المزيد من عشاق الملكوت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة