عشاق الملكوت
﷽    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
كلمة المحرِّر

معنى الصليب كرمز للقوة لدى المسيحيين

naderabdelameer 01 أكتوبر 2021

كان الصليب في القديم، وقبل استخدامه من قبل المسيحيين، معروفا عند الرومان. وكان يعتبر آنذاك آلة تعذيب للمذنبين والمجرمين والأسرى، حيث ظل إلى ذلك الزمن عندهم فارغا من أية دلالة إيجابية. فقد كان رمزا للعار والهلاك بامتياز. لكن الأمر كان مختلفا جدا في مصر القديمة لأنه كان يرمز بالنسبة للفراعنة إلى الحياة والانبعاث والحياة الأبدية ويعرف لديهم باسم “العنخ” ولا نزال نرى شكله ذلك إلى يومنا هذا في الكنائس المصرية.

كما عرف السلمون الصليب أيضا كرمز للهلاك والعقاب حيث يرد فعل الصلب في آيات كثيرة مثل:

“يا صاحبي السجن اما احدكما فيسقي ربه خمرا واما الاخر فيصلب فتاكل الطير من راسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان” (سورة يوسف 41)

“قال امنتم له قبل ان اذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن اينا اشد عذابا وابقى” (سورة طه 71)

“إنَّما جزاءُ الذين يحاربون اللهَ ورسولَه ويسعون في الأرض فسادًا أنْ يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلُهم من خلاف أو يُنفَوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم.” (المائدة 33)

ولم يكن الأمر مختلفا في الديانة اليهودية، حيث لم يكن الصليب رمزا للهلاك فقط بل أيضا رمزا إلى اللعنة حيث نقرأ بشكل واضح في سفر التثنية:

“وإذا كان على انسان خطية حقها الموت فقُتل وعلقتهُ على خشبة. فلا تبت جثتهُ على الخشبة بل تدفنهُ في ذلك اليوم. لان المعلق ملعون من اللّٰه. فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا” (سفر التثنية 21: 22-23)

وقد احتفظ الصليب عبر القرون بحمولته تلك كرمز للعنة والعقاب والهلاك ولم يفقد منها شيئا لدى المسيحيين، إلا أنه اكتسب مع السيد المسيح دلالات إيجابية جدا جعلت منه واحدا من أقوى الرموز عبر التاريخ. هذه الدلالات الجديدة استمدها من شخص السيد المسيح ومن الطريقة الدرامية العنيفة التي انتهت بها حياته على الأرض والسردية المصاحبة لتلك النهاية.

فالخلاص في الإيمان المسيحي مرتبط ارتباطا وثيقا بتضحية السيد المسيح وموته على الصليب، مما جعل هذا الأخير يتحول من رمز هلاك ولعنة فقط إلى رمز خلاص ونجاة وانتصار على الموت وعلى الشر وولادة جديدة وفوق هذا وذاك رمز قوة خارقة. لأن التضحية بالنفس والدم وتحمل الآلام واللعنة كما حدث مع السيد المسيح تتطلب قوة وعزما كبيرين، ولهذا السبب اعتبر السيد المسيح في التراث الإسلامي من الأنبياء الخمسة أولي العزم:

“فَاصْبِرْ كما صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ” (سورة الأحقاف 35)

ولهذا السبب أيضا اعتبر الصليب تمام رسالة السيد المسيح مصداقا لقوله الكريم في الإنجيل الشريف:

“كما رفع موسى الحيةَ في البرِّية فكذلك يجب أن يُرفَع ابنُ الإنسان لتكون به الحياةُ الأبدية لكلِّ مَن يؤمن”. (إنجيل يوحنا 3: 14)

وكلمة “يرفع” في الآية أعلاه تعني “يرفع على الصليب”

هكذا تتجلى قوة الصليب في عمل التضحية والفداء الذين أتمهما سيدنا عيسى بموته كفارة لبني البشر، فهو كما أسلفنا وهب دمه المسفوك على صليب العار لكي ينجو بنو البشر من اللعنة الملازمة لهم منذ خروجهم من الجنة ويستعيدون مجد الله في حياتهم، إلى درجة أن الرسول بولس كتب أنه لم يعتزم “أن يعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً” (1 كورنثوس 2: 2).

ولم تمنع العقيدة الإسلامية العديد من الشعراء المسلمين من استلهام هذه الرمزية المسيحية لقوة الصليب في أشعارهم، فهذا الحسين بن منصور الحلاج يقول متحديا قاتليه:

أقْتُلُوني يا ثقاتـــي إنّ في قتـْلي حياتــــي

ومماتـي في حياتـي وحياتي في مماتـي

أنّ عنـدي محْو ذاتـي من أجّل المكرمـات

وبقائـي في صفاتـي من قبيح السّيّئــات

سَئِمَتْ نفسـي حياتـي في الرسوم الباليـات

فاقتلونـي واحرقونـي بعظامـي الفانيــات

ثم مـرّوا برفاتـــي في القبور الدارسـات

تجدوا سـرّ حبيبــي في طوايا الباقيــات

وهذا الشاعر العراقي بدر شاكر السياب يختم قصيدته “المسيح بعد الصلب” قائلا:

بعدَ أنْ سمّروني وألقيتُ عينيَّ نحوَ المدينةْ

“كدتُ لا أعرفُ السهلَ والسورَ والمقبرةْ

كان شيءٌ، مدى ما ترى العينُ،

كالغابة المزهرةْ،

كانَ، في كلِّ مرمىً، صليبٌ وأمٌّ جزينةْ

قُدِّسَ الربُّ !

هذا مخاضُ المدينةْ.”

Arise Media & IT Consultancy Made by Arise Media IT Consultancy ltd

اكتشاف المزيد من عشاق الملكوت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة