
يبتدئ سفر التكوين بعبارة: “لِيَكُنْ نُورٌ” (تكوين 1: 3). وهي ترجمة للعبارة العبرية yehi or التي تعني حرفيا صيغة الأمر “أيها النور، انوجد”. إن الله هنا يتوجه إلى النور بخطابه ويأمره أن ينوجد. ومن تم أخذت كلمة الله بعدها النوراني العظيم وأصبح النور صورة لتجلي القدرة الإلهية. هكذا أصبح النور يستخدم كثيرا كصورة بلاغية في الكتاب المقدس وفي الكتب الكبرى الأخرى كالقرآن الكريم حيث نقرأ الآية الشهيرة أشهر من نار على علم “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُّورٌ على نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ”.
فأن يكون الله نورا معناه كونه النقيض الطبيعي للظلمة. فإذا كان النور هو صورة الخير والبر، فالظلمة هي صورة الشر والمعصية. نقرأ في رسالة يوحنا الأولى 1: 5 “الله نور”. والنور كما أسلفنا صورة بلاغية مألوفة في الكتاب المقدس. فهذا الرسول بولس يشبه في رسالة فيلبي 2: 15 أولاد الله الطاهرين بالأنوار المشعة في السماء. كما استخدم السيد المسيح النور للتعبير عن الأعمال الصالحة حيث يقول في إنجيل متى “فليضيء نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ…” (متى 5: 16). ويقول يوحنا في رسالته الأولى 1: 6 أنه “إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ”.
ولأن الله نور فإنه يحب للمؤمنين أن يسيروا في نوره وينقادوا بنوره ويشرقون به، كما عبر عن ذلك الرسول بولس: “جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْلٍ وَلاَ ظُلْمَةٍ.” (تسالونيكي الأولى 5: 5). فالله لم يخلق النور الدنيوي فقط من شمس ونجوم بل خلق أيضا النور الباطني الروحي الذي به نمحص الأشياء ونميز الحق من الباطل. هكذا ينبغي لكل مؤمن حقيقي أن يعترف بكل ما يوجد بداخله من ظلمة من معاصي وأخطاء ونوايا شريرة ويترك نور الله يفعل فعله بداخله.
الله نور، وكذلك حبيبه سيدنا عيسى المسيح الذي قال: “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ.” (يوحنا 8: 12). لذلك فسيدنا عيسى الذي لم تحسب عليه معصية هو أيضا “النور الحقيقي” (يوحنا 1: 9). ونحن كمؤمنين به، علينا أن نترك نوره ينبعث من خلالنا إلى كل من يوجد في محيطنا القريب والبعيد حتى “يفتح عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ…” (أعمال الرسل 26: 18)