
الخلق واستمراره في الفداء
نادر عبد الأمير
تعتبر مسألة الخلق إحدى القضايا المحورية في الكتاب المقدس، حيث يبدأ هذا الأخير بسرد قصة خلق الله للعالم في سفر التكوين. هذه الرواية ليست مجرد سرد تاريخي بل تحمل دلالات روحية عميقة تتعلق بطبيعة الله، ودوره كخالق، وعلاقة الإنسان بالكون. كما أنها تشكل الأساس للاهوت المسيحي حول الخلق والفداء.
يبدأ الكتاب المقدس بوصف تفصيلي لأعمال الله الخلاقة في ستة أيام، حيث يُبتدأ بالنور وينتهي بخلق الإنسان. في الآية الأولى من الكتاب المقدس، نقرأ: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تكوين 1:1). هذا الافتتاح يُعلن سيادة الله المطلقة على كل شيء. في اليوم الأول، يفصل الله بين النور والظلام (تكوين 1:3-5)، ويستمر في الخلق حتى يصل إلى اليوم السادس حيث يخلق الله الإنسان “عَلَى صُورَتِهِ” (تكوين 1:26-27)، مما يضفي على الإنسان مكانة فريدة في الخليقة.
خلق الإنسان
يُعد خلق الإنسان تتويجًا لأعمال الله الخلاقة، حيث يصف الكتاب المقدس الإنسان بأنه “صُورَةُ اللهِ” (تكوين 1:27). وهذا يعني أن الإنسان يتمتع بصفات إلهية، مثل العقل والإرادة والقدرة على التمييز بين الخير والشر. الإنسان ليس مجرد جزء من الخليقة، بل هو مُكلّف بحراستها والعناية بها: “وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طُيُورِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تكوين 1:28).
السقوط وتداعياته
مع أن الله خلق الإنسان في حالة من البراءة والكمال، إلا أن السقوط جاء كنتيجة للعصيان. فقد أكل آدم وحواء من شجرة معرفة الخير والشر بعد أن أغواهما الشيطان، وهو ما يعد خرقًا مباشرًا لوصية الله (تكوين 3:1-6). نتيجة لذلك، دخلت الخطيئة إلى العالم وتبعتها اللعنة: “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ” (تكوين 3:17). ومع أن هذا السقوط جلب الموت والانفصال عن الله، إلا أنه لم يُفسد القصد الإلهي بشكل نهائي.
الفداء كاستمرار للخلق
في اللاهوت المسيحي، يُرى الفداء كعملية إعادة بناء لما فسد بالسقوط. يُعرف المسيح في العهد الجديد بأنه “آدم الثاني” (رومية 5:12-21)، حيث جاء ليصنع ما فشل فيه الإنسان الأول. من خلال موته وقيامته، أُعطي للبشرية فرصة جديدة للحياة الأبدية: “لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ” (1 كورنثوس 15:22).
خلاصة
تظل مسألة الخلق في الكتاب المقدس موضوعًا غنيًا بالتفسيرات والمعاني اللاهوتية. فهي لا تقدم فقط قصة بداية العالم، بل تؤسس لفهم أعمق للعلاقة بين الله والإنسان والعالم. إن سردية الخلق في الكتاب المقدس تحمل دلالات تتجاوز الفهم الحرفي لتصل إلى معانٍ روحية تتعلق بمكانة الإنسان في الخليقة ودوره فيها، وكذلك بالدعوة إلى الفداء والإصلاح. ومع تقدم العلم وتنوع التفسيرات، يبقى الكتاب المقدس مصدرًا أساسيًا للفهم الروحي للخلق.