عشاق الملكوت
﷽    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ

المحبة هي الفضيلة الأسمى في المسيحية، وهي ليست مجرد شعور عاطفي، بل أسلوب حياة يرتكز على العطاء والتضحية. تتجلى المحبة في علاقة الإنسان بالله، وفي سلوكه تجاه الآخرين، سواء أكانوا أصدقاء أم أعداء. وقد أكد المسيح أن المحبة هي أعظم الوصايا، قائلًا:

“تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها: تحب قريبك كنفسك.” (متى 22: 37-39) 

تُعتبر هذه الوصية المفتاح لفهم رسالة المسيح، إذ أن كل تعاليمه تدور حول المحبة التي تشمل الله، والشخص القريب، وحتى الأعداء.

  1. محبة الله: الأساس الذي تقوم عليه الحياة الروحية

محبة الله ليست مجرد مشاعر أو أقوال، بل علاقة مبنية على الإيمان والطاعة. فالله هو مصدر المحبة، وكل من يحب يكون قد اختبر الله، كما يقول الرسول يوحنا: 

“أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضًا، لأن المحبة هي من الله، وكل من يحب فقد وُلِد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لم يعرف الله، لأن الله محبة.” (1 يوحنا 4: 7-8) 

والسيد المسيح يؤكد أن محبتنا لله يجب أن تكون كاملة وشاملة، تشمل القلب (العواطف والمشاعر)، والعقل (الفكر والتأمل)، والنفس (الإرادة والطاعة). وهذا يعني أن المحبة ليست مجرد انفعال، بل التزام كامل بحياة تتماشى مع مشيئة الله. 

وقد شدد المسيح على أن محبته ترتبط بحفظ وصاياه، فقال: 

“إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي.” (يوحنا 14: 15) 

فمن يحب الله يسلك في طرقه، ويجتهد في طاعته، ويسعى إلى الشركة الدائمة معه من خلال الصلاة وقراءة الكتاب المقدس والعمل بحسب تعاليمه. 

لا تقتصر المحبة في المسيحية على الله وحده، بل تمتد إلى جميع الناس، حتى الأعداء. وهذا ما يميز المحبة المسيحية، إذ أنها غير مشروطة وغير محدودة. فقد قدم المسيح مثالًا رائعًا على محبة القريب في مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، حيث أظهر أن القريب ليس فقط من تجمعنا به صلة دم أو قومية، بل أي شخص يحتاج إلى المساعدة، حيث قال بوضوح: 

“كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم، لأن هذا هو الناموس والأنبياء.” (متى 7: 12) 

وهذا يعني أن المحبة ليست مجرد كلمات، بل تتجلى في الأعمال، مثل: 

– مساعدة المحتاجين، كقصة السامري الصالح. 

– مواساة الحزانى والمجروحين.

– الصفح عن الآخرين وغفران تجاوزاتهم، كما علم السيد المسيح حوارييه في الصلاة الربانية: 

“واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا.” (متى 6: 12) 

إن إحدى أسمى تعاليم المسيح عن المحبة هي محبة الأعداء، وهي تعاليم غير مألوفة للبشر بطبيعتهم، لكنها تعكس روح الإنجيل. فقد قال السيد المسيح: 

“وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.” (متى 5: 44) 

هذا المبدأ يتجاوز العدالة المبنية على “العين بالعين والسن بالسن” (خروج 21: 24)، ويؤكد على التسامح كقوة حقيقية تقود إلى السلام الداخلي والمصالحة. 

وقد قدم المسيح نفسه مثالًا عمليًا على ذلك في قوله على الصليب: 

“يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.” (لوقا 23: 34) 

فمحبة الأعداء ليست ضعفًا، بل قوة روحية تحتاج إلى نعمة الله لتطبيقها. 

لقد جعل السيد المسيح المحبة المقياس الأساسي للتتلمذ عليه واتباع تعاليمه، حيث قال: 

“بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حب بعضًا لبعض.” (يوحنا 13: 35) 

هذه المحبة بين المؤمنين هي التي تبني الجماعة المسيحية وتؤسس الوحدة بين أعضائها، وتنعكس في: 

خلاصة

المحبة في المسيحية ليست مجرد فضيلة، بل هي روح الإيمان وأساس العلاقة مع الله والناس. إنها وصية المسيح العظمى وعلامة التلميذ الحقيقي، وهي تظهر في العطاء، والغفران، وخدمة الآخرين. فإذا أردنا أن نحيا بحسب مشيئة الله، فعلينا أن نجعل المحبة مبدأً لحياتنا، مقتدين بالمسيح الذي أحب بلا حدود. 

معجب بهذه:

Arise Media & IT Consultancy Made by Arise Media IT Consultancy ltd

اكتشاف المزيد من عشاق الملكوت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة