عشاق الملكوت
﷽    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ

ليس الثبات في الإيمان مجرد استمرارية عقائدية، بل هو دخول في علاقة حيّة، متجدّدة، تُثمر السكينة وسط الاضطراب، واليقين في قلب الشك. إنه دعوة دائمة للعيش في حضوره، والاتكال على كلامه، والانغماس في سرّ محبّته الفادية.

ففي إنجيل يوحنا، يتحدث سيدنا عيسى عن العلاقة العضوية التي يدعو إليها، قائلًا:

“اثبتوا فيّ وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمرٍ من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيّ” (يوحنا 15: 4)

الصورة هنا بليغة: نحن المؤمنون هم الأغصان، وهو الكرمة الحقيقية. الثبات فيه يعني التواصل الدائم مع مصدر الحياة الروحية، والانغراس في كلمته، لا كفكر فقط، بل كمصدر للوجود المجدد. فالثبات يخلق مسارًا مستمرًا من التحول، حيث تُصقل النفس وتتطهر، ويصبح الإنسان أقرب شيء لما خُلق له: أن يكون شاهدًا للحق، وساكنًا في المحبة الإلهية.

أبعاد الثبات: بين عطية النعمة وجهاد القلب

في رسالته إلى أهل غلاطية، يُعبّر بولس عن الثبات كاتحاد وجودي:

“قد صُلبت مع المسيح، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ”. (غلاطية 2: 20)

لذلك لا يعتبر الثبات في سيدنا عيسى مجرّد ولاء عقائدي، بل موت يومي للأنا، وانبعاث من جديد في حضوره. قد نطلق على العملية عبارة جهاد النعمة أي السعي المتواضع نحو القداسة، سعي ممزوجٌ بعطية الروح التي تقوّي الضعف وتضيء العتمة.

الثبات وسط الألم والاضطهاد: رجاء لا يخيب

في زمن يكثر فيه الاضطراب وتغيب فيه اليقينيات، يصبح الثبات في سيدنا عيسى شكلاً من أشكال المقاومة الروحية. يقول الرسول بولس:

“إن كنا نصبر، فسنملك أيضًا معه؛ إن كنا ننكره، فهو أيضًا سينكرنا”

(2 تيموثاوس 2: 12)

ورسالة بولس واضحة هنا: الثبات ليس هروبًا من الألم، بل استيعابًا له ضمن مشروع الخلاص. إنه سيرٌ في طريق يشبه طريق الأنبياء، حيث الألم لا يُلغى بل يُحتضن في ضوء الرجاء.

وهنا أيضا يظهر البعد النبوي للمسيرة: فالثابت في حضرة سيدنا عيسى يصبح شاهدًا لمجد القيامة، حتى وسط أتون المعاناة.

الثبات كدخول في سرّ الحياة الإلهية

يقول الرسول بطرس:

“قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية”

(2 بطرس 1: 4)

الثبات بهذا المعنى لا يقتصر على العلاقة الشعائرية، بل يمتدّ نحو الدخول في الملكوت الإلهي. بتعبير لاهوتي، الإنسان الثابت في سيدنا عيسى يختبر نوعًا من الاتحاد السري، حيث تتحول حياته إلى تجلٍّ لعمل الروح، وتصبح أفعاله، وأفكارُه، وصلواتُه، إشعاعاتٍ من حضوره.

معجب بهذه:

Arise Media & IT Consultancy Made by Arise Media IT Consultancy ltd

اكتشاف المزيد من عشاق الملكوت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة