عشاق الملكوت
﷽    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
كلمة المحرِّر

منزلة المحبة في رسالة السيد المسيح

naderabdelameer 07 سبتمبر 2026

 

تحتلّ المحبة مكانة مركزية في الإيمان المسيحي، حتى يمكن القول إن المسيحية، في جوهر رسالتها، هي دعوة إلى المحبة: محبة الله للإنسان، ومحبة الإنسان لله، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان. فالمحبة في المسيحية ليست مجرد شعور عاطفي عابر، ولا فضيلة أخلاقية إلى جانب فضائل أخرى، بل هي الأساس الذي تقوم عليه علاقة الإنسان بالله وبالآخرين. ولهذا يلخّص الرسول يوحنا حقيقة الله في عبارة بالغة العمق والبساطة: «الله محبة» (1 يوحنا 4: 8). ومن هنا يصبح طريق معرفة الله مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتعلّم المحبة وممارستها في الحياة.

محبة الله للإنسان

تبدأ المحبة في المسيحية من الله، لا من الإنسان. فالإنسان لا يحب الله أولًا حتى يستحق محبته، بل إن الله هو الذي يبادر بالمحبة ويقترب من الإنسان. يقول الرسول يوحنا: «نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولًا» (1 يوحنا 4: 19). فالمحبة الإلهية ليست مكافأة على صلاح الإنسان أو استقامته، وإنما هي نعمة تُمنح له وتدعوه إلى حياة جديدة.

وتبلغ هذه المحبة ذروتها في رسالة السيد المسيح وحياته. فقد جاء السيد المسيح ليعلن للإنسان أن الله ليس بعيدًا عنه، وأنه لا ينظر إليه نظرة رفض ويأس، بل يطلب خلاصه وعودته إليه. ولهذا يقول الإنجيل: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 16(

إن هذه المحبة تمنح الإنسان قيمة لا ترتبط بثروته أو مكانته أو قوته أو أصله، بل بكونه مخلوقًا محبوبًا من الله. ولذلك يجد المؤمن في محبة الله مصدرًا للرجاء عندما تضيق به الحياة، ومصدرًا للقوة عندما يشعر بالضعف، ومصدرًا للسلام عندما تحاصره المخاوف.

السيد المسيح نموذج المحبة

لم تكن المحبة في حياة السيد المسيح مجرد كلمات أو تعاليم، بل كانت ممارسة يومية. فقد اقترب من المرضى والضعفاء والمهمشين، وجلس مع الذين كان المجتمع يحتقرهم، وغفر للخطاة، وأشفق على المتألمين. كان يرى في الإنسان ما هو أعمق من خطئه وضعفه ومكانته الاجتماعية.

وتظهر عظمة هذه المحبة بصورة خاصة في قوله لتلاميذه: «هذه هي وصيتي: أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم» (يوحنا 15: 12). والمقياس هنا بالغ العمق؛ فالمؤمن لا يُطلب منه أن يحب الآخرين بحسب استحقاقهم، بل أن يتعلّم المحبة من السيد المسيح نفسه.

ثم يضيف السيد المسيح: «ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه» (يوحنا 15: 13). وهكذا ترتبط المحبة بالعطاء والبذل والتضحية. فالمحبة الحقيقية لا تسأل دائمًا: ماذا سأحصل؟ بل تسأل أيضًا: ماذا أستطيع أن أقدم؟

محبة القريب

حين سُئل السيد المسيح عن أعظم الوصايا، جمع بين محبة الله ومحبة الإنسان، فقال: «تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك… وتحب قريبك كنفسك» (متى 22: 37-39(.

ولا يمكن، بحسب الرؤية المسيحية، الفصل بين هاتين المحبتين. فمن يدّعي محبة الله بينما يكره الناس أو يحتقرهم يناقض جوهر الإيمان. ولذلك يقول الرسول يوحنا: «إن قال أحد: إني أحب الله، وأبغض أخاه، فهو كاذب» (1 يوحنا 4: 20(.

ومحبة القريب لا تقتصر على الأقارب والأصدقاء ومن يشبهوننا في الدين أو الثقافة أو الفكر، بل تتسع لتشمل الإنسان بوصفه إنسانًا. وقد أوضح السيد المسيح هذا المعنى في مثل السامري الصالح، حيث أصبح الغريب هو القريب لأنه توقف أمام الإنسان الجريح، ورحمه، وضمد جراحه، واعتنى به.

فالقريب، في منطق المحبة، ليس فقط من يسكن بجوارنا، وإنما كل إنسان تضعه الحياة في طريقنا ويحتاج إلى رحمتنا.

محبة الأعداء: أصعب درجات المحبة

لعل أكثر ما يميز تعليم السيد المسيح عن المحبة هو أنه لم يقف بها عند حدود الأصدقاء والأقارب، بل امتد بها إلى الأعداء. يقول: «أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» (متى 5: 44(.

وهذه من أصعب الوصايا، لأنها تصطدم بطبيعة الإنسان التي تميل إلى مقابلة الإساءة بالإساءة والعداء بالعداء. لكن السيد المسيح يدعو الإنسان إلى كسر دائرة الانتقام، لأن الكراهية إذا قوبلت بالكراهية تضاعفت، أما المحبة والغفران فيفتحان بابًا للخروج من أسر الماضي.

ولا تعني محبة العدو قبول الظلم أو السكوت عن الشر، كما لا تعني التخلي عن الحق والعدالة. وإنما تعني ألا يتحول طلب العدالة إلى كراهية تسكن القلب وتدمّر الإنسان من الداخل. يستطيع المؤمن أن يرفض الظلم، وأن يدافع عن الحق، وفي الوقت نفسه يرفض أن يجعل الحقد هو القوة التي تقوده.

وقد جسّد السيد المسيح هذا التعليم في أشد لحظات الألم عندما صلى من أجل الذين أساؤوا إليه قائلًا: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا 23: 34(.

المحبة ليست كلامًا فقط

يشدد الكتاب المقدس على أن المحبة الحقيقية تظهر في الأفعال. يقول الرسول يوحنا: «يا أولادي، لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق» (1 يوحنا 3: 18(.

فليس كافيًا أن يتحدث الإنسان عن الرحمة إذا لم يرحم، أو عن الفقراء إذا لم يساعد المحتاج، أو عن الغفران إذا ظل أسيرًا للرغبة في الانتقام. المحبة تصبح حقيقية حين تتحول إلى زيارة لمريض، أو مساعدة لمحتاج، أو كلمة تعزية لحزين، أو غفران لمن أخطأ، أو دفاع عن مظلوم، أو وقت يُمنح لإنسان وحيد.

ولهذا فإن الحياة اليومية هي الامتحان الحقيقي للمحبة. فقد يكون من السهل أن نحب الإنسانية بصورة عامة، ولكن الأصعب أن نحب الإنسان الذي نلتقي به كل يوم، بضعفه وأخطائه واختلافه عنا.

المحبة التي وصفها الرسول بولس

من أجمل النصوص التي تتحدث عن المحبة في الكتاب المقدس ما ورد في رسالة الرسول بولس الأولى إلى أهل كورنثوس. فهو لا يعرّف المحبة تعريفًا فلسفيًا مجردًا، وإنما يصف الطريقة التي تظهر بها في حياة الإنسان:

«المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر، ولا تنتفخ… ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا تظن السوء… وتحتمل كل شيء، وتصدق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبدًا» (1 كورنثوس 13: 4-8(.

إنها صورة لمحبة تتجاوز العاطفة إلى أسلوب حياة. فالصبر محبة، والرفق محبة، والتواضع محبة، وعدم الحسد محبة، والقدرة على احتمال ضعف الآخرين محبة. ولهذا يمكن للإنسان أن يقيس نضجه الروحي لا بكثرة ما يقوله عن الإيمان، بل بمقدار ما أصبحت هذه الصفات حاضرة في علاقته بالناس.

وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الحياة فقط بما جمعه الإنسان لنفسه، وإنما أيضًا بما أعطاه للآخرين؛ ولا بعدد الذين خدموه، بل بعدد الذين خدمهم؛ ولا بمقدار السلطة التي امتلكها، بل بمقدار الرحمة التي مارسها.

إن المحبة في المسيحية ليست فكرة جميلة نرددها، بل طريق طويل يتعلم فيه الإنسان أن يخرج من أنانيته نحو الله ونحو الآخرين. وكلما اقترب الإنسان من الله، ازداد قلبه اتساعًا للناس؛ وكلما تعلم أن يغفر ويرحم ويعطي، أصبح أكثر قدرة على أن يعكس محبة الله في العالم.

ولهذا تبقى كلمة الرسول يوحنا خلاصة عميقة للرسالة كلها: «أيها الأحباء، لنحب بعضنا بعضًا، لأن المحبة هي من الله» (1 يوحنا 4: 7(.

فحيث توجد المحبة الصادقة، يصبح الإيمان حياةً، والرجاء قوةً، والغفران ممكنًا، والآخر أخًا، ويصبح الإنسان أقرب إلى الله وأقرب إلى حقيقة إنسانيته.

Arise Media & IT Consultancy Made by Arise Media IT Consultancy ltd

اكتشاف المزيد من عشاق الملكوت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة