
حين يسمع الإنسان كلمة النصر، يتبادر إلى ذهنه غالبًا انتصار القوي على الضعيف، أو غلبة جيش لجيش، أو تفوق إنسان على خصمه. غير أن مفهوم النصر في رسالة المسيح يقلب هذا التصور رأسًا على عقب. فالنصر في المسيح ليس أن نهزم الآخرين، بل أن نهزم في داخلنا ما يجعلنا أسرى للخوف والكراهية والخطيئة واليأس. وليس المنتصر هو الذي يُخضع الناس لقوته، بل الذي تتحرر روحه من سلطان الشر، فيصبح قادرًا على المحبة والغفران والثبات حتى في وسط الألم.
النصر يبدأ من الداخل
علّم سيدنا عيسى أن أصل الصراع الحقيقي كامن في قلب الإنسان. فقد يستطيع المرء أن ينتصر في معركة خارجية، بينما يظل مهزومًا أمام غضبه أو كبريائه أو شهواته أو خوفه. وقد يخسر أشياء كثيرة في العالم، لكنه يخرج منتصرًا إذا حافظ على إيمانه ونقاوة قلبه ومحبته.
“لهذا قال: ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” (مرقس 8: 36)
تضع هذه الكلمات أمامنا مقياسًا مختلفًا تمامًا للنصر. فقد يربح الإنسان المال والجاه والنفوذ، ويظن أنه بلغ غاية النجاح، بينما تكون روحه قد أصبحت أكثر فقرًا واضطرابًا. وفي المقابل، قد يمر المؤمن بالضيق والحرمان، لكنه يظل ممتلئًا بالسلام والرجاء. هنا يظهر النصر الذي لا يستطيع العالم أن يمنحه ولا أن ينتزعه.
انتصار المسيح من خلال الصليب
يبلغ مفهوم النصر ذروته في الصليب. فمن منظور البشر، بدا الصليب هزيمة: سيدنا عيسى مرفوض، ومتألم، ومحاط بالخصوم، ثم مصلوب. لكن رسالة الإنجيل ترى في اللحظة التي بدت فيها الهزيمة كاملة بداية الانتصار الأعظم.
لم ينتصر المسيح لأنه ردّ العنف بالعنف، وإنما لأنه لم يسمح للعنف أن يحوله إلى صورة أخرى من صور العنف. ولم ينتصر لأنه انتقم ممن ظلموه، بل لأنه قابل الإساءة بالغفران. وحتى وهو على الصليب قال: “يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لوقا 23: 34)
هنا يتغير معنى القوة. القوة ليست دائمًا القدرة على إيلام من آلمنا؛ قد تكون القوة الأعظم هي أن نقدر على الانتقام ثم نختار الغفران. وليست الغلبة أن نجعل عدونا يتألم كما تألمنا، بل أن نرفض أن تتحول جراحنا إلى كراهية.
ولهذا يرتبط الصليب في الإيمان المسيحي بالقيامة. فما بدا نهاية أصبح بداية، وما بدا موتًا قاد إلى الحياة. ومن هنا جاءت صيحة الرسول بولس: “أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ … ولكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (كورنثوس الأولى: 15: 55-57)
النصر على الخوف
من أكبر أعداء الإنسان الخوف: الخوف من المستقبل، ومن الفشل، ومن الناس، ومن الوحدة، ومن المرض، ومن الموت. وقد لا يستطيع المؤمن أن يمنع أسباب الخوف من الاقتراب منه، لكنه يستطيع، بالإيمان، ألا يسمح لها بأن تستولي على قلبه.
قال سيدنا عيسى لتلاميذه:
“لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي” (يوحنا 14: 1)
فالنصر في المسيح لا يعني حياة خالية من الأزمات، وإنما يعني قلبًا يجد وسط الأزمات موضعًا للسلام. لذلك قال أيضًا:
“في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يوحنا 16: 33)
إنها عبارة عجيبة، لأنها لا تنكر الضيق. لم يقل المسيح إن المؤمن لن يتألم، بل أعلن أن الضيق ليست له الكلمة الأخيرة.
النصر على الكراهية بالمحبة
من أصعب انتصارات الإنسان أن ينتصر على الرغبة في رد الإساءة بالإساءة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى محبة من يحبه والنفور ممن يؤذيه. لكن سيدنا عيسى دعا أتباعه إلى مستوى أعمق: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم” (متى 5: 44)
ليست هذه المحبة استسلامًا للظلم ولا قبولًا به. يستطيع الإنسان أن يرفض الظلم، ويطلب الحق والعدل، ويحمي المظلوم، دون أن يسمح للكراهية بأن تسكن قلبه. وهذه من أصعب صور النصر، لأن الخصم الخارجي قد يكون واضحًا، أما الكراهية التي تتسلل إلى الداخل فقد تتخفى في صورة دفاع عن الحق. فالمؤمن لا يريد فقط أن يتوقف الشر؛ يريد أيضًا ألا يصبح الشر جزءًا منه.