
كان سيدنا عيسى وديعًا، متواضع القلب “قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (متى 12: 20). لكنه عندما رأى اليهود يدنسون الهيكل ويعيثون فيه بيعا وشراء، “أخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة كراسي باعة الحمام. وقال لهم: مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنت جعلتموه مغارة لصوص” (متى 21: 12، 13). فهل منعت الوداعة المتأصلة في سيدنا عيسى أن يسكت عن منكر كان يجري في بيت الله، ألا وهو المتاجرة داخل البيت المقدس المخصص للعبادة؟! طبعا لم يسكت بل أخذته الغيرة للحق، لذلك “تذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتك أكلتني” (يوحنا 2: 16، 17).
وبنفس الغيرة للحق كان لا يكف عن توبيخ الكتبة والفريسيين الذين كانوا يخدعون الناس بتفاسيرهم وآرائهم الخاطئة وتحريفاتهم لكلام الله. فكان يفضح أمام الملأ بهتانهم، مخاطبا إياهم “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ” (متى 23: 13). فهل منعت الوداعة المتأصلة في سيدنا عيسى أن يترك الكتبة والفريسيين في غيهم بعمهون؟ طبعا لا، لأن الوداعة لا تتعارض أبدا مع الانتصار للحق.
وعلى نفس النهج القويم صار بطرس الرسول عندما شرع في توبيخ أهل كورنثوس مخاطبا إياهم بقوله “أطلب إليكم -بوداعة المسيح وحلمه-أنا نفسي بولس، الذي هو في الحضرة ذليل بينكم، وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم” (2 كورنثوس 10: 1). يا لروعة هذا المزيج العجيب من الوداعة والجسارة، ليس ذلك فقط بل قمة التأدب في قمة الجسارة حين ينعت بولس نفسه بالذليل وهو في موقف الموبّخ.
هكذا ينبغي النظر إلى الوداعة لا كضعف وخنوع وقبول بالأمر الواقع، بل فضيلة عظيمة لا تبطل الفضائل الأخرى كالشجاعة حين يتطلب الأمر الحزم والحسم وإحقاق الحق والقيام بالواجب، وتلك كانت سنة الأنبياء والقديسين ورجال الله كما دونتها سيرهم المفعمة بأخبار وداعتهم ومواقفهم الحاسمة التي أودت بالكثيرين منهم إلى التضحية بحياتهم شهادة للحق.