الخلق كمساحة شفاء للمرأة

في عالمٍ يُقاس فيه نجاح المرأة غالبًا بقدرتها على العطاء للآخرين، تنسى كثيرات أن الخلق بحد ذاته ليس فقط إنجاب أطفال… بل إنجاب معنى. فالمرأة خُلقت لتُبدع، لا فقط لتؤدي الأدوار.

هناك نساء يلدن أطفالًا، ونساء يلدن أفكارًا، فنًا، مشاريع، كلمات، مساحات أمان، مبادرات، قصصًا، وأحيانًا… يلدن أنفسهن من جديد بعد الألم.منذ بداية الخليقة، ارتبط الإنسان بفعل الخلق، لأن الله نفسه قدّم ذاته أولًا كخالق:
«فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تكوين 1:1).وفي الفكر المسيحي، خُلق الإنسان “على صورة الله ومثاله”، أي أن في داخله جزءًا من هذه القدرة الخلّاقة؛ قدرة تحويل الفوضى إلى معنى، والألم إلى رسالة، والفراغ إلى حياة.لهذا السبب، حين تُمنع المرأة من الإبداع، أو تُختزل فقط في أدوار الخدمة والتضحية، يبهت جزء عميق من روحها.

علم النفس الحديث أيضًا يربط بشكل واضح بين الإبداع والتعافي النفسي.
فـكارل يونغ Carl Jung رأى أن الإنسان لا يشفى فقط عبر الفهم، بل عبر التعبير والخلق. أما فيكتور فرانكل Viktor Frankl، مؤسس العلاج بالمعنى، فاعتبر أن الإنسان يستطيع تحمّل الكثير من الألم حين يجد معنى لوجوده، وأحد أهم مصادر هذا المعنى هو “الإنتاج الخلاق”؛ أي أن يترك الإنسان أثرًا، أو يصنع شيئًا يتجاوز ذاته.

حين تكتب امرأة، ترسم، تطبخ بحب، تؤسس مشروعًا، تعيد ترتيب بيتها بروح جديدة، تبني مجتمعًا، تطلق فكرة، أو حتى تخلق لحظة دفء في عالم قاسٍ… فهي لا “تمضي الوقت”، بل تعيد ترميم ذاتها.

الخلق يشفي لأنّه يعيد للإنسان الشعور بأنه قادر على التأثير، لا فقط التحمّل.

وكثير من النساء يشعرن بالفراغ بعد مراحل معينة من الحياة، لأن المجتمع أقنعهن أن رسالتهن تنتهي عندما يكبر الأولاد، أو عندما تهدأ مسؤوليات البيت.
لكن الحقيقة أن الطاقة الخلاقة في المرأة لا عمر لها.

فالمرأة ليست فقط وعاءً للحياة البيولوجية، بل أيضًا للحياة الفكرية، والجمالية، والروحية، والإنسانية.

وربما لهذا السبب نجد أن كثيرات يبدأن فعلًا بالازدهار في مراحل متأخرة من العمر، حين يتصالحْن مع رغبتهن الحقيقية في التعبير والخلق بعيدًا عن توقعات الناس.

حتى الكتاب المقدس يربط بين المواهب والمعنى والمسؤولية.
في مثل الوزنات، لم يُمدح من أخفى موهبته خوفًا، بل من استخدمها وضاعفها.
وكأن الرسالة واضحة:
ما وُضع داخلك ليس للدفن، بل للنمو.

المرأة التي تخلق، لا تهرب من الواقع.
هي تقاوم العدم.وربما الشفاء الحقيقي يبدأ حين تفهم المرأة أن قيمتها ليست فقط في كونها مطلوبة من الآخرين…
بل أيضًا في في قدرتها على أن تخلق معنى، جمالًا، وحياة من داخلها.

اترك رد