
حين نتأمل شخصية المسيح، نجد أنه لم يأتِ ليؤسس دولة أو ليقود جيشًا، بل جاء ليزرع في قلب الإنسان بذرة السلام الداخلي. في زمن الحرب، حيث تُقاس القوة بعدد الصواريخ والدبابات، يذكّرنا المسيح أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الغفران، وفي الشجاعة التي تدفع الإنسان إلى مد اليد بدل رفع السلاح. إن قوله: “سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم”* ليس مجرد عبارة روحية، بل هو مشروع حياة، يضع أمام البشرية خيارًا آخر غير العنف: خيار المصالحة والرحمة. وفي هذا العالمٍ الممزق الآن بين إيران وإسرائيل وأمريكا، يصبح هذا السلام دعوة إلى تجاوز الحسابات السياسية والبحث عن إنسانية مشتركة.
إن الحروب عادةً ما تُحوّل الآخر إلى صورة مشوهة: عدو، خصم، تهديد. لكن المسيح قلب هذه المعادلة حين قال: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم”. وهي كلمات تبدو شبه مستحيلة في زمن الحرب هذا، لكنها تحمل قوة ثورية: أن ترى في الآخر إنسانًا، لا مجرد هدف عسكري. في زمن الصراع الحالي في الشرق الأوسط، حيث تُقسم الشعوب إلى معسكرات متقابلة، يذكّرنا المسيح أن الهوية الأعمق للإنسان ليست قوميته أو مذهبه أو طائفته او إيديولوجيته، بل إنسانيته. هذا المبدأ يضع تحديًا أمام كل فرد: هل نستطيع أن نكسر دائرة الكراهية ونرى في الآخر وجهًا بشريًا يستحق الرحمة؟
وإذا كانت الحرب تُطفئ الأمل في قلوب الكثيرين، وتجعل المستقبل يبدو مظلمًا بلا مخرج، فإن المسيح الذي عاش تجربة الألم والموت، قد قام ليعلن أن الظلام ليس النهاية. قيامته ترمز إلى أن اليأس يمكن أن يتحول إلى رجاء، وأن الموت يمكن أن يُهزم بالحياة. في زمن الحرب بين القوى الكبرى، حيث يشعر الإنسان أنه مجرد رقم في معادلة سياسية، يذكّرنا المسيح أن كل فرد له قيمة، وأن الألم ليس قدرًا أبديًا. الأمل الذي يقدمه المسيح ليس مجرد حلم، بل هو دعوة إلى الإيمان بأن السلام ممكن، وأن العدالة يمكن أن تُولد من رحم المعاناة.
قد يبدو صوت المسيح ضعيفًا وسط ضجيج المدافع، لكن قوته تكمن في بساطته. ففي هذا الزمنٍ الذي تُدار فيه الحروب عبر شاشات وأجهزة، يصبح صوت المسيح دعوة إلى العودة إلى الإنسان، إلى القلب، إلى الضمير. المسيح اليوم ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو رمز حيّ لكل من يرفض الاستسلام للعنف. رسالته تدعونا إلى أن نكون صانعي سلام، لا متفرجين على الحرب. أن نكسر دائرة الخوف ونبني جسور الثقة. في زمن الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، يصبح المسيح صوتًا عالميًا جهيرا يصيح: “لا مستقبل للبشرية إلا بالسلام”









