المجد الحقيقي

يبدأ فهم مجد المسيح بفهمٍ عميق لهوية المسيح وتفرّده عن العالم. المجد هنا ليس مجرد جمال خارجي بل هو حضور الله فيه وتجليّ عمله الخلاصي. فسيدنا عيسى سلامه علينا يعترف في الإنجيل الشريف بأنه في الآب والآب فيه، وأن مجد الابن يظهر في علاقة الحب والخلاص التي يمنحها للبشر: “الآن مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (فهذه الآية في يوحنا 17: 5 تشدد على تمجيد الابن في إتمام عمل الفداء). المجد حسب رسالة السيد المسيح يتحدّد بقبول الموت على الصليب وإقامته، حيث يتحول العار إلى مجد والخطيئة إلى برّ، وتظهر محبة الله الفاعلة في العالم.

يتجسد مجد المسيح أيضًا في قيادته الروحية وتأسيس الملكوت. فقد قدّم نموذجًا للمجد ليس بالسلطة الأرضية بل بالتواضع والخدمة حتى صليب الجلجثة، وهو ما يقول عنه بولس الرسول: أن مجد المسيح يعلن قوّة الله (كورنثوس الأولى 1-2). فخلق المسيح يتسم بالتواضع والانسكاب الذاتي حتى الموت، وهذا الانسكاب هو بذرة المجد الحقيقي الذي ارتقى به إلى الكرسي القريب من الآب. بذلك تتحقق رؤية المجد الإلهي في مسار حياة المؤمنين حين يشترك المسيح في تغييرهم وتقديسهم في الروح القدس.

وتتجلى مكانة المجد في حياة المؤمنين بالتحويل الداخلي وبالشركة مع المسيح. فعندما يقول بولس في كولوسي 1: 27 “الَّذِينَ ارَادَ اللهُ انْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هَذَا السِّرِّ فِي الأُمَمِ، الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ” فإنه يربط بوضوح بين وجود المسيح في القلوب وبين حضور المجد الإلهي في حياة المؤمنين. هذا المجد ليس امتيازًا حصريًا للمسيحيين الأوائل فقط، بل دعوة مستمرة لكل مؤمن أن يعكس مجد المسيح في سلوكياته، أعماله، وأقواله. فالمجد هنا يتسع ليشمل السلام الداخلي، الثقة بالرعاية الإلهية، وشجاعة العيش وفق مخطط الله حتى وسط التجارب.

كما تجلى إتمام المجد في المسيح من خلال القيامة والرجاء. القيامة ليست نهاية بل هي تمجيد كامل للمخلّص الذي حقّق النصر على الموت وها هو اليوم يملك إلى الأبد بخلاصٍ كامل. في رسالة رومية 6:4 يتحدث بولس عن أننا نحن أيضًا قد دفنّا معه بالمعمودية لنحيا حياة جديدة، وهذا يدل على ارتباطٍ حي بين موت المسيح وقيامته ومجد الحياة الجديدة التي ننالها بالمسيح. هذا الرجاء يجعل حياة المؤمنين تُختبر بالشجاعة والصبر، كما أن نور المجد يشعّ في مواجهتنا للتحديات اليومية.

أخيرا يمكننا القول أن المجد في المسيح دعوة مستمرة للصلاة، العبادة، وخدمة العالم. عندما نركع أمام الله ونقبل نعمة المسيح، نختبر تمجيده في قلبنا ونشهد له في أعمال المحبة والعدالة. يقول يعقوب في الآية 2: 26 أن الإيمان بلا أعمال ميت، والمجد الحقيقي يظهر عندما نعمل بمحبة ونعكس نور المسيح في المجتمع. فلنهتم بأن تكون حياتنا مرآةً للمجد الإلهي الذي أعلن في المسيح، مظهرين للعالم محبة الله التي تغيّر القلوب وتبني حضورًا لهوية جديدة في المسيح.

اترك رد