
ليست الحرية في المسيح مجرد تحرر من القيود الخارجية، ولا هي امتياز يمنحه الدين لأتباعه، بل هي ولادة روحية جديدة يكتشف فيها الإنسان أنه لم يُخلق ليعيش أسير الخوف والذنب والكراهية، وإنما ليحيا في الحق والمحبة. فالإنسان قد يكون حرًّا في جسده، قادرًا على الذهاب حيث يشاء، وعلى قول ما يريد، ومع ذلك يظل عبدًا لأهوائه ومخاوفه وأحكام الآخرين عليه. وقد يكون مقيدًا في ظروفه، محاصرًا بالألم والحرمان، لكنه يمتلك في أعماقه حرية لا يستطيع أحد انتزاعها منه. تلك هي الحرية التي أعلنها المسيح حين قال: “فَإِنْ حَرَّرَكُمُ الِابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يوحنا 8: 36)
إن الحرية التي جاء بها المسيح تبدأ من الداخل، من ذلك الموضع الخفي الذي تتصارع فيه رغبات الإنسان ومخاوفه، وتتشكل فيه علاقته بالله وبنفسه وبالآخرين. فالإنسان لا يصبح حرًّا بمجرد أن تزول عنه سلطة خارجية، بل حين يتحرر من القوى التي تستعبده من الداخل. وقد كشف المسيح عن هذه الحقيقة في قوله: “كُلُّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ” يوحنا 8: 34. فالخطيئة، في معناها الروحي العميق، ليست مجرد مخالفة لوصية، بل هي كل ما يشوه صورة الله في الإنسان، وكل ما يجعله غريبًا عن حقيقته، عاجزًا عن المحبة، خاضعًا للأنانية والحقد والكبرياء.
لذلك لم يأت المسيح ليضيف إلى حياة الإنسان أثقالًا جديدة، بل ليرفع عنه الأثقال التي تحول بينه وبين الله. لقد واجه التدين الذي يحوّل الوصايا إلى قيود، والعبادة إلى مظاهر، والبر إلى وسيلة للتفاخر والتسلط. وعندمل قال: “السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لِأَجْلِ الْإِنْسَانِ، لَا الْإِنْسَانُ لِأَجْلِ السَّبْتِ” 2: 27 فقد كان يعلن مبدأ بالغ العمق: أن الشرائع الدينية ينبغي أن تخدم حياة الإنسان وعلاقته بالله، لا أن تتحول إلى سلطة تسحق روحه. فالإنسان ليس مخلوقًا ليكون عبدًا للطقوس، بل ليجد في عبادته طريقًا إلى الحياة والحق.
والحرية في المسيح هي أيضًا التحرر من الخوف. فالخوف من العقاب، والخوف من الموت، والخوف من المستقبل، والخوف من نظرة الآخرين، كلها قيود قد تسكن النفس حتى تصبح جزءًا من طبيعتها. لكن رسالة المسيح تفتح أمام الإنسان أفقًا آخر، يقوم على الثقة بمحبة الله بدلًا من الارتجاف أمامه. يقول الرسول يوحنا: “لَا خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ” يوحنا الأولى 4: 18. فالإنسان الذي يعرف أنه محبوب من الله لا يعود مضطرًا إلى إثبات قيمته باستمرار، ولا إلى الاختباء وراء أقنعة التدين أو القوة أو التفوق على الآخرين. إنه يستطيع أن يقف أمام الله بصدق، بكل ضعفه وتناقضاته، لأنه يثق بأن الرحمة أوسع من خطاياه.
غير أن الحرية المسيحية لا تعني الانفلات من المسؤولية، ولا أن يفعل الإنسان كل ما يشاء دون اعتبار للآخرين. إنها على العكس من ذلك حرية تكتمل بالمحبة. يقول الرسول بولس: “فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا” غلاطية 5: 13. وهنا تبلغ الحرية معناها الأسمى: أن يكون الإنسان قادرًا على اختيار الخير لا خوفًا من العقوبة، ولا طمعًا في المكافأة، بل لأن المحبة أصبحت قانون حياته الداخلي.
وإن من أعظم مظاهر هذه الحرية قدرة الإنسان على الغفران. فالذي يكره يظل مربوطًا بمن يكرهه، والذي يعيش للانتقام يظل أسيرًا للجرح الذي أصابه. أما الذي يغفر، فإنه يقطع السلاسل التي تربطه بالماضي، ويستعيد سيادته على نفسه. وحين دعا المسيح إلى محبة الأعداء والصلاة من أجل المضطهدين لم يكن يطلب من الإنسان أن يستسلم للظلم أو يتخلى عن العدالة، بل كان يدعوه إلى ألا يسمح للشر بأن يحوّله إلى صورة أخرى من الشر. فالغفران ليس إنكارًا للألم، وإنما رفض لأن يصبح الألم سيدًا على القلب.
والحرية في المسيح هي كذلك حرية الضمير في البحث عن الحقيقة. فالإيمان الذي يقوم على الإكراه والخوف لا يستطيع أن يكون تعبيرًا صادقًا عن المحبة. لقد دعا المسيح الناس إلى اتباعه، لكنه لم يسلبهم حرية الرفض. وحين انصرف عنه كثير من تلاميذه، التفت إلى الاثني عشر وسألهم: “أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟” يوحنا 6: 67. لم يحاول الاحتفاظ بهم بالقوة، ولم يجعل انتماءهم إليه أهم من صدق اختيارهم. فالحرية هنا ليست عائقًا أمام الإيمان، بل شرط من شروط أصالته؛ إذ لا معنى لمحبة لا يستطيع صاحبها أن يختارها بحرية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن تكون الحرية في المسيح امتيازًا تحتكره جماعة دينية لنفسها، أو ذريعة لاحتقار المختلفين في العقيدة. فالإنسان الذي تحرر من الخوف لا يحتاج إلى تخويف الآخرين، والذي اختبر الرحمة لا يستطيع أن يجعل القسوة وسيلته إلى نشر الإيمان. إن الشهادة للمسيح لا تتحقق بإخضاع الضمائر، بل بإظهار المحبة والحق في الحياة اليومية. فالنور لا يحتاج إلى أن يُفرض على العيون، وإنما يكفي أن يضيء، تاركًا للإنسان حرية أن يفتح عينيه.