تأملات في التدبّر

كلمات الله روح متجسدة في ألفاظ. لكن اللفظ لا يفيد بحد ذاته، بل الروح التي فيه هي التي تمنح الحياة (2 كورنثوس 3: 6). قال السيد المسيح: “الكلمات التي أنا أكلمكم بها هي روح وحياة” (يوحنا 6: 63). فكلماته تعالى هي كالصدف تحمل في باطنها المعاني التي هي بمثابة اللؤلؤ، لكننا لا ينبغي أن نكتفي بالصدف فقط، بل علينا أن نكتشف ونستخلص منها اللآلئ. وهذا يتم بواسطة الروح القدس، بالصلاة مصداقا لصلاة المرنم في المزمور: “اكشف يا رب عيني لأنظر إلى عجائب من شريعتك” (مزمور 119). أو كما صلى النبي إليشع من أجل خادمه حتى تنفتح عينه (2 ملوك 6: 17). تلك هي روح التدبر.

التدبر هو تنوير العقل بواسطة الروح القدس، لفهم معاني الكتب المقدسة والتعمق فيها بإزالة الطبقات الخارجية للوصول إلى النواة الروحانية. والتدبر في الكتاب المقدس هو محاولة لاكتشاف الأسرار الإلهية الموجودة في الوحي الإلهي. كما قيل عن عمل السيد المسيح مع تلاميذه بعد قيامته: “حينئذٍ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب” (لوقا 24: 45). إننا لا نطلب فقط بفكرة النعمة أن تفتح عقولنا، بل نقدم عقولنا لله ليملأنا بفهمه العميق والشامل. نفتح له الباب ليدخل ويتلذذ معنا (رؤيا 3: 20). نعيش بكلمة الحياة التي نزلت من السماء (يوحنا 6: 33، 35)، بكل كلمة تخرج من فم الله (متى 4: 4).

التدبر هو التلمذة على يد الروح القدس، تدريب على كيفية استقبال ما يريد أن يمنحك إياه الروح. فهو ليس مجرد محاولة لفهم فكري، ولا اعتماد على ذكائنا وقدراتنا فقط، إذ قال الكتاب: “على فهمك لا تعتمد” (أمثال 3: 5). ذلك أن التفكير العقلي الخالي من عمل الروح لا ينتج التدبر… قد ينتج المعرفة أو الفلسفة، ولكن ليس التدبر، هناك فرق بين العالم والعابد، بين الدارس والمتدبر، بين الباحث في الكتب والباحث في الروح. التدبر ليس مجرد فكر، بل هو خلط بين الفكر والقلب، وترك العقل كأداة بيد الروح.

بذلك ندرك قوة الكلمة، لأنها تأخذ من الروح قوة… فلا تقف عند مستوى العقل، بل تجعل العقل وسيلة للوصول إلى الروح. والروح سبيل الوصول إلى الله، الذي عنده كل كنوز المعرفة.

يمكن للقارئ السطحي أن يقرأ كثيرًا دون أن يتدبر، لكن القارئ الروحي يبلغ أعماقًا لا تنضب في حتى قراءته القليلة. فهو لا يركز على كمية القراءة، بل على التدبرات التي يتمحور حولها… قد تثيره كلمة أو عبارة معينة، فينغمس في أعماقها، ويبقى يسبح في هذه الأعماق قائلا مع المرنم: “لكل كمال رأيت منتهى. أما وصاياك فواسعة جدًا” (مزمور 119)… قد يفتح الله قلبه، فيرى في الكلمة الواحدة كنزًا عظيمًا، يغتنم منه بلا نهاية، مصداقا لقول داود النبي في صلاته “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة”…

فلنتدرب روحيًا على أن نأخذ كل يوم آية للتدبر من الكتاب المقدس، آية تركت فينا أثرًا أثناء القراءة. ولكن لا نتوقف فقط عند الأثر، بل نحفظ هذه الآية ونجعلها مجالًا لفكرنا وتدبرنا، مما يتيح لروح الله أن تمنحنا شيئًا من خلالها… أو فلنأخذ قصة معينة من الكتاب ونجعلها مجالا لتدبرنا. بهذه الطريقة، نملأ أنفسنا خلال النهار بالتفكير الروحي… وبذلك يتعمق هذا الفكر فينا، فلأن الفكر يولد فكرًا من نوعه، ويولد أيضًا الكثير من المشاعر والعواطف والتدبرات. ويصبح قلبنا نقيًا، يتسع لكلمة الله، ويتفشى فيه التدبر الروحي… وترافقنا هذه التدبرات أيضًا أثناء الصلاة، فتنبعث في ذهننا أيضًا أثناء حديثنا مع الناس، ويلمس المستمعون فينا عمقًا قد لا يمكن سبره.

اترك رد